يُحكى أن النابغة الذبياني كانت تُنصب له قبة من أَدَم في سوق عكاظ، فيجتمع عنده الشعراء ليعرضوا عليه أشعارهم ويحكم بينهم. فدخل عليه حسان بن ثابت، وكان الأعشى حاضرًا وقد أنشده شعره، ثم أنشدت الخنساء قصيدتها، فبدأت تشكو ما بعينها من سهر وبكاء، حتى وصلت إلى قولها:

قَذّى بعينك أم بالعين عُوَّارُ

أمْ ذَرَّفَتْ إذْ خَلَتْ من أهْلِهَا الدارُ

حتى قالت:

وإنَّ صخراً لتأْتَمُ الهُداةُ به

كأنه عَلَمْ في رأسه نارُ

وإنَّ صَخْراً لَمَوْلانا وسيِّدُنا

وإن صَخْراً إِذا نَشْتُو لنحَّارُ

فقال النابغة: لولا أن أبا بصير أنشدني قبلك لقلت إنك أشعر الناس، وأنتِ – والله – أشعر من كل امرأة.

فقالت الخنساء: والله ومن كل رجل أيضًا.

فقال حسان: أنا والله أشعر منكِ ومنها.

فقال النابغة: وعلى أي شيء تقول ذلك؟

فقال حسان: حيث أقول:

لنا الجفَّناتُ الغُرُ يَلمَغْنَ بالضُّحا

وأسيافُنا يَقْطُرْنَ من نجْدَةٍ دَمَا

ولذنا بني العَنْقَاء وابنَيْ محرّقٍ

فأكْرِمُ بِنَا خالاً وأكرِمْ بنا ابْنَمَا

فقال له النابغة: إنك شاعر، غير أنك قلّلت العدد حين قلت «الجفنات»، ولو قلت «الجفان» لكان أكثر. وقلت «يلمعن في الضحى»، ولو قلت «يبرقن بالدجى» لكان أبلغ في المدح، لأن الضيف يكثر قدومه ليلًا. وقلت «يقطرن من نجدة دمًا» فدلّ ذلك على قلة القتل، ولو قلت «يجرين» لكان أبلغ في كثرة الدم. ثم إنك فخرت بمن ولدت، ولم تفخر بمن ولدك.

فقام حسان منكسِرًا وقد انقطع قوله.

شارك