في عمق البادية، حيث تُقاس أقدار الرجال بما يملكون من إبلٍ وما يبذلون من كرم، كان “المُحلَّق” يعيش تحت وطأة إرثٍ ثقيل. كان أبوه سيداً جواداً، أفنى ماله في إكرام الضيف حتى مات ولم يترك لابنه سوى سمعة عطرة، وثلاث أخواتٍ عوانس ينتظرن الفرج، وناقة يتيمة هي كل ما تبقى من ثروة العائلة، إضافة إلى بُردين (ثوبين) باليين كان الأب يرتديهما في المحافل.

الفرصة العابرة

ذات ظهيرة لاهبة، ضجت مضارب الحي بالخبر: “الأعشى هنا!”. كان الأعشى “صنّاجة العرب”، الرجل الذي تملك أبياته قوة السحر؛ إن مدح قوماً رفعهم إلى أعالي المجد، وإن هجاهم خسف بهم الأرض. نزل الشاعر الكبير ضيفاً على الماء، فتسابق القوم لإكرامه، كلٌ يقدم أفضل ما لديه طمعاً في بيت شعر يخلد ذكرهم.

أما المُحلَّق، فقد جلس في خيمته يغمره الهم، فهو لا يملك ما يقدمه. هنا، تدخلت عمته، تلك العجوز الداهية التي خبرت الحياة. دخلت عليه وقالت بحزم:

“يا ابن أخي، إن الفرص تمر مر السحاب. هذا الأعشى قد نزل بساحتنا، والعرب تعلم أن لسانه مفتاح الشرف أو الضعَة. اسمع مني: احتَلْ في زِقّ خمر فاخر من التجار، وادفع إليه بناقتك الوحيدة، وزق الخمر، وبُردي أبيك. فوالله، لئن اجتمع شواء الكبد والسنام مع الخمر في جوفه، وارتدى البُردين ونظر إلى عِطفيه مزهواً، ليقولن فيك شعراً يسير به الركبان”.

صراع النفس

تردد المُحلَّق، فالناقة هي رأس ماله، وعصب حياته وحياة أخواته. ظل يخرج ويدخل، يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، وعمته لا تكف عن حثه، تلهب حماسه وتذكره بأن الفقر مع الذكر الخامل موت، والمغامرة قد تكون طوق النجاة.

حسم أمره أخيراً، ولكن بعد فوات الأوان.. كان الأعشى قد ارتحل!

عاد إلى عمته منكسراً: “لقد رحل الرجل”.

ابتسمت العجوز بخبث ودهاء وقالت: “الآن والله يكتمل الكرم! أرسل خلفه غلام أبيك العجوز، وحمّله الهدايا، وليقل له إنك كنت غائباً، وحين عدت وعلمت بمروره كرهت أن يفوتك شرف قِراه، فلحقت به. هذا أوقع في النفس وأبلغ في العذر”.

المطاردة والوليمة

استدان المُحلَّق ثمن الخمر، وجهز الناقة والبردين، وانطلق الغلام يسابق الريح. كلما مر بماء قيل له: “ارتحل الأعشى أمس”، فيحث الخطى أكثر، حتى وصل إلى “منفوحة” باليمامة، ديار الأعشى.

كان المشهد في دار الأعشى بائساً؛ مجموعة من الفتيان يحيطون بالشاعر، وقد قدم لهم طعاماً خالياً من اللحم، وشراباً رخيصاً (الفضيخ). الملل سيد الموقف، والجوع يقرص البطون.

فجأة، قُرع الباب.

دخل الغلام العجوز، يجر الناقة ويحمل الخيرات، وقال بصوت لاهث:

“أنا رسول المُحلَّق الكلابي.. سيدي كان غائباً، وحين علم بمرورك شق عليه ألا يكرمك، فأرسلني بهذه”.

تأمل الأعشى الناقة السمينة، وزق الخمر المعتق، والبردين. لمعت عيناه، وهتف بحماس:

“ويحكم! أعرابي لا شأن له يفعل هذا؟ والله لئن صدق حدس العمة واجتمع في جوفي الكبد والسنام والخمر، لأقولن فيه ما لم أقله في ملكٍ قط!”.

ثار الفتيان الجياع، ونحروا الناقة فوراً. شقوا الجوف عن الكبد، وسلخوا الجلد عن السنام، وانتشرت رائحة الشواء الدسم في المكان. دارت كؤوس الخمر، وأكل الأعشى وشرب حتى ثمل وانتشى. ثم قام فلبس بُردي والد المُحلَّق، وأخذ يتبختر وينظر إلى كتفيه بإعجاب، وقد تحرك شيطان الشعر في رأسه.

القصيدة الخالدة

في تلك اللحظة من النشوة والامتنان، تدفقت القوافي كالسيل، فأنشد قصيدته التي غيرت مجرى التاريخ لعائلة المُحلَّق:

أرِقْتُ وما هذا السهادُ المؤرِّقُ … وما بِيَ من سُقْم وما بي مَعشقُ

ثم عرج يمدح كرم المُحلَّق بكلمات خلدها الزمن:

نَفَى الذمّ عن آلِ المحلَّقِ جَفْنَةٌ … كَجابيةِ الشيخ العراقي تَفْهَقُ

تُشَبُّ لِمَقْرُورَيْنٍ يَصْطَليانها … وبات على النار النَّدى والمحلقُ

ترى الجود يجري ظاهراً فوق وجهه … كما زَانَ مَتنَ الهُنْدُوَانِيّ رَوْنَقُ

يداهُ يَدَا صِدْقٍ، فَكَفّ مُبيدَةٌ … وكفَّ إذا ما ضُنّ بالمالِ تُنْفِقُ

الخاتمة

طارت القصيدة في الآفاق كما تطير النار في الهشيم. لم يبقَ مجلس في العرب إلا وترددت فيه أبيات الأعشى في مدح المُحلَّق. وكانت النتيجة أسرع من الخيال؛ فما دارت السنة دورتها حتى خُطبت أخوات المُحلَّق جميعاً، وسيق لكل واحدة منهن مائة ناقة مهراً.

تحول فقر المُحلَّق إلى غنى، وخموله إلى عز، بفضل نصيحة عمة، ومغامرة بناقة، وقصيدة من شاعر لا يُشبهه أحد.

شارك