قوسُ الرهان: ملحمة الوفاء في بلاط المدائن
الفصل الأول: حصار الجفاف
لم تكن المحنة التي نزلت بمضارب “مُضر” مجرد موسم قحط عابر، بل كانت حصاراً ضربته الطبيعة القاسية بلا رحمة لسبع سنوات طوال. تحولت البوادي التي كانت تضج بالحياة إلى مساحات شاسعة من الصمت والموت؛ حيث استحالت الأرض صخراً، والسماء سقفاً من نحاس لا يجود بقطرة ماء. في تلك البقاع، ضمرت بطون الأنعام حتى برزت ضلوعها، وتيبست ضروعها، فهام الناس على وجوههم في الفيافي، وتفرقت القبائل شذر مذر بحثاً عما يسد الرمق ويحفظ الأرواح من الفناء.
وسط هذا المشهد المأساوي، كان ثمة رجل يحمل فوق كاهله جبلاً من الهموم، إنه “حاجب بن زرارة”. لم يكن حاجب زعيماً عادياً، بل كان “عقل القبيلة” وبصيرتها النافذة. كان يطوف بخياله بين خيام قومه، فيسمع أنين الجوعى ويرى انكسار الرجال، فيعتصر قلبه ألماً. لم يرتضِ لنفسه أن يقف متفرجاً بينما “الجهد” والمشقة يفتكان بعشيرته، فبات ليلته يقلب الرأي، حتى استقر عزمه على قرار جريء، رأى فيه طوق النجاة الوحيد.
جمع حاجب وجوه بني زرارة في ليلة مدلهمة، وخاطبهم بلسان الواثق ونبرة من يحمل همّ الجماعة: “يا قوم، قد عزمتُ أمراً لا محيد عنه؛ سأشد الرحال إلى بلاط كسرى، ملك الفرس، لأطلب منه الجوار، وأن يأذن لكم بالنزول في ريف العراق حيث الماء والكلأ، لنحيا وتعود فينا الروح.”
الفصل الثاني: طريق المخاطر
لم يمر قراره برداً وسلاماً على الحاضرين، بل ثارت في النفوس مخاوف قديمة. ارتفعت الأصوات المشبقة: “كيف تأمن الطريق يا حاجب؟ وكيف تمر بديار بكر بن وائل؟”. كانت الذاكرة مثقلة بعداوات “أيام العرب” وحروبهم، وخشي القوم أن يقع سيدهم في قبضة أعداء الأمس، فيُسام سوء العذاب. لكن فريقاً آخر، رأى في عينيه بريق الحكمة، فقالوا له مستبشرين: “سر على بركة الله، فلعل الله يجري الخير على يديك.”
كان حاجب يعلم يقيناً ما ينتظره، وكان يدرك أن “ابن الطويلة التيمي” هو العقبة الكأداء في هذا المسار، ومع ذلك، كان رصيده من الثقة بنفسه وبمروءة العرب كبيراً. قال لقومه مطمئناً: “لا عليكم، فأنا أعلم كيف أستل السخيمة من الصدور، وكيف أجعل من العدو صديقاً.”
انطلق حاجب يقطع الصحاري، ينتقل من مورد ماء إلى آخر. والمدهش في رحلته تلك، أن نخوة العربي كانت تسبق عداوته؛ فكلما مرّ بحي من أحياء “بكر”، خرج ساداتهم لاستقباله، ينحرون له الذبائح، ويكرمون وفادته، مقدرين مكانته السامية بين العرب.
الفصل الثالث: الكرم سلاح الشجعان
بلغت الرحلة ذروتها حين وصل حاجب إلى “قصوان”، المعقل الذي يتربص فيه “ابن الطويلة”. لم يتخفَ حاجب ولم يتسلل كاللصوص، بل اختار المواجهة بأسلوب الكبار. مع بزوغ الفجر، ترجل عن راحلته، وفرش “نطعاً” (بساطاً جلدياً) أمام خيمته في العراء، وأمر غلمانه بصب التمر عليه حتى صار كالتل، ثم نادى بصوت جهوري: “هلموا إلى الطعام.. حيّ على الغداء!”.
وقع الصوت في مسامع ابن الطويلة، فأطل برأسه ليرى العجب؛ عدوه يجلس في عقر داره يطعم الناس! أدرك ابن الطويلة فوراً أن هذا الفعل لا يصدر إلا عن سيد عزيز النفس، فقال لمن حوله: “أجيبوا دعوته، فوالله إنه لسيد قومه حقاً.” تحولت العداوة في تلك اللحظة إلى منافسة في الكرم؛ فأقبلوا يأكلون، وأرسل ابن الطويلة الجزر (الإبل) والشاء (الغنم) هدية لضيفه، فما كان من حاجب إلا أن نحرها وأطعمها للضيوف، راداً التحية بأحسن منها.
وحين أزف وقت الرحيل، جاء ابن الطويلة يعرض خدماته بصدق: “أنا خفيرك ومجيرك حتى تبلغ مأمنك، فلا يصل إليك مكروه.” لكن حاجب، الذي كان سلاحه ثقته وهيبته، ابتسم وقال: “لا حاجة لي بذلك، فليس أمامي من أخشاه.” ومضى في طريقه وحيداً، تحرسه عناية السماء، ويسبقه صيته.
الفصل الرابع: الرهان في البلاط الامبراطوري

وصل حاجب إلى “المدائن”، ودخل إيوان كسرى بهيبة البدوي الذي لا يكسره طغيان الملوك. وقف أمام العاهل الفارسي، وبدأ يسرد قصة معاناة قومه، طالباً الإذن لهم بدخول أطراف الريف ليرعوا ويشربوا.
نظر كسرى إليه بريبة الملوك، وقال بلهجة حادة: “أنتم معشر العرب، لا تؤمن بوائقكم؛ إذا دخلتم بلداً أحللتم فيه الفساد، واستباحت سيوفكم الحرمات.”
لم يهتز حاجب، بل رد بلسان عربي مبين، مقدماً عهداً غليظاً: “أيها الملك، أنا الكفيل بقومي، وأضمن لك ألا يصدر منهم فساد أو اعتداء.”
سأله كسرى، وهو يريد توثيقاً ملموساً: “ومن يضمن لي وفاءك؟ وما الرهن الذي تضعه عندي؟”
في تلك اللحظة التاريخية، انتزع حاجب قوسه من كتفه، ورفعها بيد ثابتة قائلاً: “هذه قوسي.. هي رهني عندك بوفائي.”
تعالت همهمات السخرية من حاشية الملك، وضحك بعضهم قائلين: “أيضمن الملك حقه بعود من الخشب؟!”. لكن كسرى، الخبير بمعادن الرجال، أسكتهم بإشارة صارمة. نظر إلى القوس، ثم إلى عيني حاجب، فرأى فيهما صدقاً لا يخالطه ريب، فقال: “ما كان لمثل هذا الرجل أن يفرط في قوسه ويسلمها إلا وهو صادق العزم.” وقبِل القوس رهناً، وأذن للعرب بالنزول.
الفصل الخامس: عودة الأمانة
تحققت نبوءة حاجب، وانزاحت الغمة عن قومه، فعاشوا في ريف العراق آمنين مطمئنين، وارتوت عروقهم بالحياة، وظلوا محافظين على عهد سيدهم، لا يفسدون زرعاً ولا يروعون آمناً. ودارت عجلة الزمان، ومات حاجب بن زرارة قبل أن يسترد قوسه، لكنه ترك خلفه مجداً وإرثاً من الصدق.
وبعد أن انقشع القحط وعاد العرب إلى ديارهم، نهض ابنه “عطارد بن حاجب” ليكمل فصول الحكاية. توجه صوب بلاط كسرى يطلب إرث أبيه المعنوي. وحين وقف بين يدي الملك، سأله كسرى مستذكراً: “أأنت صاحب القوس؟”
فأجاب عطارد بوفاء الابن البار: “لا أيها الملك، لست أنا، بل وضعها من هو خير مني، والدي الذي هلك، وقد وفى لك بما وعد، وصدق قومه ما عاهد، فحق له أن تُرد إليه قوسه.”
تأمل كسرى هذا الوفاء المتوارث، وأمر فوراً برد القوس إلى عطارد، ولم يكتفِ بذلك، بل خلع عليه حُللاً فاخرة وأجزل له العطاء، تكريماً لذكرى رجل كانت كلمته أقوى من المواثيق المكتوبة.
وهكذا، عادت قوس حاجب إلى ديارها، لا كأداة حرب، بل كشاهد أبدي على عصر كان فيه الرجال يرهنون أغلى ما يملكون مقابل “الكلمة”، وكان الصدق فيه عملة نادرة أثقل في الميزان من كنوز كسرى وذهبه.








