المأدبة ودموع الشيخ يروي لنا “خارِجة بن زيد” فصلاً مؤثراً من خريف عمر “حسان بن ثابت”، شاعر الرسول وصحابة الكلمة، فيقول: دُعينا ذات يوم إلى مأدبة، وكنتُ ممن حضرها، وكان حسان بن ثابت بين المدعوين وقد اشتعل رأسه شيباً وذهب بصره، يرافقه ابنه “عبد الرحمن” ليكون له عيناً ودليلاً.
جلسنا جميعاً إلى مائدة واحدة، وكان حسان – لفرط خبرته بالحياة رغم عماه – إذا وُضع الطعام أمامه مال على ابنه هامساً: “أطعام يدٍ أم يدين؟”، يقصد بذلك: هل هو “ثريد” يُؤكل بيد واحدة، أم هو “شواء” ولحم يحتاج إلى كلتا اليدين لنهشه؟ فإذا أجابه ابنه: “طعام يدين”، تهيأ وأمسك، وإذا كان غير ذلك أكل.
وما إن رُفعت الموائد وفرغ القوم من طعامهم، حتى أقبلت جاريتان، إحداهما تدعى “رائقة” والأخرى “عَزَّة”، تحملان “المزاهر” (الآلات الموسيقية). جلستا وبدأتا العزف بمهارة عجيبة، ثم صدحتا بصوت شجي تغنيان شعراً قديماً لحسان نفسه، يذكر فيه ديار الغساسنة ومنازلهم في الشام: انظُرْ خَلِيلي بِبَطْنِ جِلَّقَ هَلْ … تُونِسُ دُون البَلْقاء من أحَدِ
وقعت الكلمات والموسيقى في قلب حسان موقعاً عظيماً، فخيل إليه أنه عاد مبصراً، وقال بتأثر: “قد أراني بها سميعاً بصيراً”. انهمرت الدموع من عينيه المطفأتين، فكان إذا سكتت الجاريتان كفَّ عن البكاء، وإذا عادتا للغناء عاد لدموعه. وكان ابنه عبد الرحمن – ربما رغبة في تحريك وجدان أبيه – يشير إليهما سراً كلما توقفتا أن واصلا الغناء، فيزداد الشيخ بكاءً وحنيناً.
مجلسُ الملوك عاد حسان من تلك الوليمة إلى منزله، وقد أثارت فيه الموسيقى ذكريات زمن تولى. استلقى على فراشه، ووضع إحدى رجليه على الأخرى في استرخاء المتأمل، ثم قال بصوت يقطر حنيناً: “لقد أعادتني رائقة وصاحبتها إلى ليالٍ خلت، وذكرتني بأمر لم تسمعه أذناي منذ أيامنا في الجاهلية مع الملك جَبَلَة بن الأيْهَم الغساني”.
اعتدل حسان في جلسته، وبدأ يسرد تفاصيل العظمة التي عاشها في بلاط الغساسنة، فقال واصفاً مجالس “آل جفنة”: “لقد رأيتُ في مجلس جبلة عشر قيان (مغنيات)؛ خمس روميات يغنين بالرومية على آلات البربط، وخمس يغنين غناء أهل الحيرة، أهداهن إليه إياس بن قبيصة. وكان يفد إليه المغنون من مكة وغيرها من أحياء العرب، فلا يُرد أحد”.
وتابع يصف الأجواء العطرة والترف الباذخ: “كان إذا جلس للشرب ومناادمة أصحابه، فُرش تحته الآس والياسمين وأصناف الرياحين، وعُجن له العنبر والمسك ليوضع في صحاف من الذهب والفضة. أما في الشتاء، فكان يُوقد له (المندَّى) بالبخور لتدفئة الجو وتعطيره، ويلبس هو وجلساؤه فراء (الفَنَك) الثمين. وفي الصيف، يُؤتى بكسوة صيفية خفيفة يتفضلون بها (يلبسونها براحة) لتقيهم الحر”.
عتابُ الحاضر تنهد حسان وهو يتذكر كرم جبلة وأخلاقه، وأضاف: “والله ما جلست معه يوماً قط إلا وخلع عليَّ ثيابه التي كان يرتديها، وأعطى مثلها لغيري من الجلساء. وكان هذا الكرم مقروناً بحلمٍ وأناة؛ فكان يغضي عمن جهل عليه، ويبتسم في وجه ضيفه، ويبذل العطاء دون أن يُسأل، مع حسن حديث وجمال محيا، فلم أرَ منه يوماً (خَناً) أي فاحشة في القول، ولا (عربدة) وسوء خلق، رغم أننا كنا يومئذ على الشرك ولم نكن قد عرفنا الإسلام بعد”.
ثم التفت حسان إلى الحاضرين، وقد تغيرت نبرته من الحنين إلى العتاب والوعظ، قارنًا بين أدب الجاهلية في الشرب وبين حال بعض المسلمين في زمنه، فقال: “لقد جاء الإسلام فمحا الكفر، وحرّم الخمر وما يُكره من الأفعال.. ولكن، يا للعجب! أنتم اليوم مسلمون، تشربون هذا النبيذ من التمر والخليط من البسر والرطب، فلا يشرب أحدكم ثلاثة أقداح حتى يذهب عقله، ويطيش وقاره، ويضيع دينه! أفلا تنتهون وتعتبرون؟!”.







